إيـــــــلالن

خراب مدينة تامدولت: الأسباب الثلاثة المحتملة والروايات المرتبطة بها

خراب مدينة تامدولت: الأسباب الثلاثة المحتملة والروايات المرتبطة بها

 

تُعدّ مدينة تامدولت من الحواضر التاريخية التي ارتبط تاريخها بالجنوب المغربي، ولا سيما سوس ودرعة والأطلس الصغير. وقد ظل خرابها موضوعًا تتناقله الروايات الشفوية، كما ارتبطت بها روايات عن هجرات القبائل وتغيّر موازين القوى في المنطقة.

ولا يمكن الجزم بسبب واحد لخراب المدينة دون أدلة تاريخية حاسمة، غير أن التفسيرات المتداولة في هذا الشأن يمكن حصرها في ثلاثة احتمالات رئيسية: رواية الشخص الغريب الذي استنجد بمحند أعلي أمنصاك، والصراع بين حلفي تاحوݣات وتاݣوزولت، ثم وصول عرب المعقل إلى المنطقة.

أولًا: رواية الشخص الغريب واستنجاده بمحند أعلي أمنصاك

تُعدّ رواية الشخص الغريب من الروايات الشفوية المتداولة في تفسير خراب تامدولت. ومضمونها أن شخصًا غريبًا حلّ بالمدينة، فعامله أهلها بسوء، فاستنجد بالقائد محند أعلي أمنصاك، الذي ارتبط اسمه في الرواية بالهجوم على المدينة وتخريبها.

وبحسب هذه الرواية، كان سوء معاملة الرجل الغريب الشرارة التي أدت إلى تدخّل القائد، وما ترتب على ذلك من أحداث انتهت بخراب تامدولت وتفرّق سكانها.

رواية سيدي علي بن يونس الغشاني

ترد في الرواية المتعلقة بخراب تامدولت صيغة تجعل الرجل الذي تعرض للإساءة هو سيدي علي بن يونس الغشاني.

وتذكر هذه الصيغة أن له بستانًا خارج تامدولت، وأن بناته كنّ يحملن إليه الطعام، لكن بعض أهل المدينة كانوا يعترضون طريقهن وينتزعون الطعام منهن، مع تعرضهن للإهانة.

وفي إحدى المرات، أخفت إحدى البنات الخبز داخل النخالة حتى لا ينتزعه المعتدون منها. وعندما علم والدها بما تعرضت له بناته، قرر الاستنجاد بالقائد الذي تذكره بعض صيغ الرواية باسم محمد بن علي أمنصاك أو محمد بن حمو المنصاكي. وانتهت القصة، وفق هذه الرواية، بتخريب المدينة.

ومن المراجع التي يُرجع إليها في دراسة هذه الصيغة كتاب المعسول للمختار السوسي، الجزء الثالث، الصفحة 204، وكتاب تاريخ قبائل هلالة بسوس لمحمد البوقدوري، الصفحة 269، وفق الإحالات المرتبطة بهذه الرواية.

ويكتسب اسم سيدي علي بن يونس الغشاني أهمية إضافية لأن المختار السوسي ذكر نسبه في إيلالن، بحسب الإحالة المشار إليها. وهذا يجعل الرواية جديرة بالدراسة في إطار تاريخ إيلالن وعلاقاتها بتامدولت.

رواية عبد الواحد بن علي بن عيسى أكنسوس

تُتداول كذلك رواية شفوية أخرى يرد فيها اسم عبد الواحد بن علي بن عيسى أكنسوس، ويرتبط اسمه بأصل إداوكنسوس.

وتنسب الرواية المتعلقة بهذا الاسم إلى الرجل دورًا في الأحداث التي أدت إلى خراب تامدولت، كما تربط قصته بتاريخ القبيلة وانتشار ذريته في المنطقة.

ويُذكر في ديوان قبائل سوس للحساني أن إداوكنسوس من إيلالن، وفق الإحالة المعتمدة في هذا البحث. ويكتسب هذا المعطى أهمية عند دراسة العلاقة بين الرواية ونسب القبيلة، ولا سيما أن المختار السوسي ذكر نسب علي بن يونس الغشاني في إيلالن أيضًا.

وهنا يبرز اختلاف بين الصيغتين: الأولى تسمي الرجل سيدي علي بن يونس الغشاني، والثانية تسميه عبد الواحد بن علي بن عيسى أكنسوس. ولا تكفي المعطيات المتاحة للجزم بأن الاسمين يعودان إلى شخص واحد، كما لا تكفي للجزم بأنهما شخصان مختلفان؛ ولذلك ينبغي المحافظة على اختلاف الروايتين عند توثيقهما.

كما ينبغي التمييز بين الرواية المتعلقة بالرجل وبناته وبين مسألة النسب، فلا يصح الجزم بأن إداوكنسوس ينحدرون من بنات الرجل الغريب ما لم يرد ذلك صراحة في الرواية الشفوية الأصلية أو في مصدر موثوق ينقلها.

الرواية الشفوية الأصلية وأهميتها

ينبغي أن تكون الرواية الشفوية الأصلية أساسًا في توثيق تفاصيل قصة خراب تامدولت، مع المحافظة على ألفاظها وأسماء الأشخاص وتسلسل الأحداث كما نُقلت، وعدم استبدالها بصيغ أخرى أو دمج روايات مختلفة في رواية واحدة دون دليل.

كما ينبغي التمييز بين ما تقوله الرواية الأصلية، وما ورد في الكتب التي تناولت تاريخ المنطقة، وما يمكن استخلاصه من المقارنة بينهما. فاختلاف أسماء الشخصيات والتفاصيل قد يدل على تعدد صيغ الرواية، ولا يتيح وحده إثبات وحدة الأشخاص أو اختلافهم.

ثانيًا: الصراع بين حلفي تاحوݣات وتاݣوزولت

يرتبط الاحتمال الثاني بالصراع بين حلفي تاحوݣات وتاݣوزولت، وهما حلفان متناحران في منطقة سوس ودرعة.

وكانت إيلالن طرفًا في هذا الصراع، إذ تمثل حلف تاݣوزولت. ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير خراب تامدولت باعتباره نتيجة محتملة للصراعات السياسية والعسكرية التي عرفتها المنطقة، بدل اختزاله في حادثة فردية تتعلق بسوء معاملة شخص غريب.

وتسمح هذه الفرضية بوضع خراب المدينة في سياق أوسع من التنافس بين الأحلاف والقبائل على النفوذ والمجالات وطرق التجارة. وإذا ثبت ارتباط خراب تامدولت بهذا الصراع، فإن ذلك سيساعد على فهم العلاقة بين الأحداث التي عرفتها المدينة والتحولات التي شهدتها القبائل المجاورة، ومنها إيلالن.

غير أن إثبات هذا الاحتمال يقتضي تحديد زمن الصراع وأطرافه، ثم التحقق من مدى ارتباطه المباشر بالأحداث التي أدت إلى خراب المدينة، بالاستناد إلى الروايات الشفوية والمراجع التاريخية ذات الصلة.

ثالثًا: وصول عرب المعقل إلى المنطقة

يتمثل الاحتمال الثالث في وصول عرب المعقل إلى المنطقة، وما قد يكون رافق ذلك من تحولات سياسية وعسكرية واجتماعية.

فقد يؤدي وصول جماعات جديدة إلى مجال جغرافي معين إلى تغيير موازين القوى القائمة، وإلى نشوء صراعات على النفوذ والمجالات وطرق التجارة. ومن هذا المنطلق، يمكن بحث احتمال ارتباط وصول عرب المعقل بالتحولات التي عرفتها تامدولت ومحيطها، سواء من خلال المواجهات العسكرية أو التغيرات التي طرأت على المجال القبلي والسياسي.

لكن مجرد وصول عرب المعقل لا يثبت، في حد ذاته، أنهم كانوا السبب المباشر في خراب المدينة. ولذلك ينبغي التعامل مع هذا التفسير باعتباره احتمالًا تاريخيًا يحتاج إلى تحديد التسلسل الزمني للأحداث وإثبات الصلة بين وصولهم وبين تدمير تامدولت أو هجرها.

خاتمة

تظل أسباب خراب تامدولت موضوعًا مفتوحًا للبحث التاريخي، ويمكن حصر التفسيرات المطروحة في ثلاثة احتمالات رئيسية: رواية الشخص الغريب الذي استنجد بمحند أعلي أمنصاك، والصراع بين حلفي تاحوݣات وتاݣوزولت الذي كانت إيلالن طرفًا فيه ضمن حلف تاݣوزولت، ثم وصول عرب المعقل إلى المنطقة.

وتكتسب الرواية الأولى أهمية خاصة بسبب تعدد صيغها واختلاف الأسماء الواردة فيها. فهناك صيغة تسمي الرجل سيدي علي بن يونس الغشاني، وصيغة أخرى تسميه عبد الواحد بن علي بن عيسى أكنسوس، وترتبط الأخيرة بتاريخ إداوكنسوس.

كما أن الإحالة إلى المعسول للمختار السوسي وديوان قبائل سوس للحساني وتاريخ قبائل هلالة بسوس لمحمد البوقدوري تتيح مجالًا لدراسة صلة هذه الروايات بتاريخ إيلالن ونسب إداوكنسوس، إلى جانب الرواية الشفوية الأصلية التي ينبغي المحافظة عليها بوصفها مادة أساسية للبحث.

ومع ذلك، يجب التمييز بين الرواية الشفوية وما تنقله الكتب، وبين المعلومات التي تثبتها المصادر مباشرة والاستنتاجات التي يمكن استخلاصها منها. فلا يمكن الجزم بأن الروايتين تتحدثان عن الشخص نفسه، أو أن بنات الرجل الغريب هن الأصل النسبي لإداوكنسوس، دون نص واضح يؤكد ذلك.

إن المقارنة بين الرواية الشفوية الأصلية والمصادر التاريخية، مع المحافظة على اختلاف الأسماء والتفاصيل وعدم دمج الروايات دون دليل، هي السبيل الأجدى لفهم خراب تامدولت وعلاقته بتاريخ سوس ودرعة وإيلالن والأطلس الصغير.

المصادر والإحالات

  • الرواية الشفوية الأصلية المتداولة بشأن خراب تامدولت، وما تتضمنه من قصة الشخص الغريب وبناته واستنجاده بمحند أعلي أمنصاك.
  • المختار السوسي، المعسول، الجزء الثالث، ص 204، وفق الإحالة المرتبطة بالرواية المتعلقة بسيدي علي بن يونس الغشاني.
  • محمد البوقدوري، تاريخ قبائل هلالة بسوس، ص 269، وفق الإحالة المتعلقة بالرواية نفسها.
  • الحساني، ديوان قبائل سوس، في ما يتعلق بانتساب إداوكنسوس إلى إيلالن، وفق الإحالة المعتمدة في هذا البحث.



المقال التالي المقال السابق
لا توجد تعليقات
أضف تعليقاً
رابط التعليق
إعلان
Win Bonus Banner
إعلان
Win Bonus Banner
إعلان
Win Bonus Banner
إعلان
المزيد