إيـــــــلالن

قبيلة إيــــــلالن وتامدولت ن واقا بداية الحكاية

تانضامت خراب تامدولت ن واقا: رواية أمازيغية من ذاكرة سوس والأطلس الصغير

مقدمة

تُعدّ تامدولت ن واقا من المدن التاريخية القديمة التي ارتبط اسمها بذاكرة منطقة أقا بإقليم طاطا، كما ارتبط خرابها بمجموعة من الحكايات والروايات الشعبية التي تناقلتها الأجيال باللغة الأمازيغية.

ومن بين هذه الروايات تانضامت التي تحكي قصة خراب المدينة، وتذكر شخصيات من بينها محند ؤعلي أمنصاك، وفاضما، ومسعودة. وقد انتشرت هذه الحكاية في الذاكرة الشفهية بمناطق مختلفة من سوس والأطلس الصغير، من أقا إلى إيلالن، وتناقلها الرواة بصيغ متفاوتة في تفاصيلها وألفاظها.

ولا تقتصر أهمية هذه الرواية على أحداثها، بل تشمل أيضًا ما تحفظه من تعابير أمازيغية وأمثال شعبية وصور عن المجتمع والعلاقات بين أفراده.

محند ؤعلي أمنصاك وبداية الحكاية

تروي الحكاية أن رجلًا ثريًا كان يعيش في تامدولت ن واقا، وله سبع بنات، وكانت إحداهن تُدعى فاضما، وتتمتع بقدرة على التعبير بالشعر الأمازيغي.

وذات يوم خرج الأب إلى حقله ليحرث الأرض، وانتظر أن تأتيه ابنته بالطعام. لكنها تأخرت، وعندما وصلت وجدها قد أحضرت له النخالة بدل الخبز الذي كان ينتظره.

استغرب الأب ما حدث، وسأل ابنته عن سبب تقديم النخالة له. فأوضحت له أن أهل المدينة كانوا يأخذون الخبز الذي تعدّه له، ولم تجد سبيلًا لحفظه إلا إخفاءه وسط النخالة.

شعر الرجل بالإهانة، وأدرك أن حقه قد انتُهك، فقرر البحث عمن يستطيع إنصافه ورد اعتباره.

اللجوء إلى أمنصاك

توجه الرجل إلى محند ؤعلي أمنصاك، الذي تصفه الرواية بأنه صاحب نفوذ وقوة. وعندما وصل إليه، كان القائد في مناسبة اجتمع فيها الضيوف، غير أن الرجل ظل حزينًا ولم يشاركهم الطعام.

لاحظ أمنصاك حاله، فسأل عن سبب حزنه، ثم استمع إلى شكواه وما تعرض له هو وبناته من ظلم.

وعده القائد بأن يتدخل لإنصافه، مهما كانت عواقب ذلك، وطلب منه العودة إلى منزله وانتظار موعد محدد في العام التالي، مع رفع راية بيضاء فوق بيته، وعدم إفشاء السر.

عاد الرجل إلى تامدولت، وظل ينتظر الموعد الذي حدده له أمنصاك، لكن الأيام مرت وكاد ينسى ما اتفقا عليه.

فاضما وتذكير أبيها بالوعد

تواصل الرواية أن فاضما تذكرت الموعد عندما كانت في أحواش، وسط أجواء الغناء والرقص الجماعي.

فذكّرت أباها بالوعد الذي قطعه على نفسه، وبضرورة رفع الراية البيضاء في الوقت المحدد.

ومن الأبيات الأمازيغية المتداولة في هذه الحكاية:

أبابا كضيغ ئيواضو لجومات ئيسان

كر تاكوزيت ييض ؤشن أست ئعمرن

وترد هذه الأبيات في سياق تذكير الأب بالموعد الذي اقترب، وبما ينبغي عليه فعله.

عندها تذكر الرجل ما وعد به أمنصاك، فرفع الراية البيضاء فوق منزله، وفق ما تقوله الرواية الشعبية.

خراب تامدولت

تروي الحكاية أن رجال أمنصاك وصلوا إلى تامدولت وهاجموا المدينة، فتعرضت للخراب، بينما ارتبط المنزل الذي رُفعت فوقه الراية البيضاء بمصير مختلف عن بقية المنازل.

وهكذا تفسر الرواية الشعبية خراب تامدولت من خلال قصة الظلم الذي تعرض له الرجل وبناته، والتدخل الذي وعد به أمنصاك.

لكن هذه الأحداث تظل جزءًا من الرواية الشفهية، ولا تكفي وحدها لإثبات الأسباب التاريخية الفعلية التي أدت إلى خراب المدينة.

بقايا تانضامت

تحتفظ الذاكرة الشفهية بمقاطع من تانضامت طويلة تتناول شخصيات الحكاية وما جرى في تامدولت. وقد وصلت بعض هذه المقاطع مكتوبة بالحروف العربية، ومنها:

محند ؤعلي أمنصاك ئيصحا ئيس نيت ئيفاغ

ؤر يسنال ئيغيد ئيوران أمور ئسنال

محند وعلي أمنصاك ئيسكرف ئيميغ نان

موند كولو ئيمزيلن ؤر ئغاما يان

أسى يات كولو ؤزال سوويات ئيسان

تاوادا سـ تمدولت تدو تسيلا تيغوردين

كما تتضمن الرواية مقاطع أخرى تتحدث عن لقاء الرجل بأمنصاك، ودور مسعودة، وما دار بين الشخصيات من حوار.

وهذه المقاطع، رغم ما قد يعتري كتابتها من اختلاف في الضبط والنقل، تمثل مادة مهمة لدراسة الشعر الشفهي الأمازيغي في سوس، وتستحق جمعها ومقارنتها بالروايات المحفوظة لدى الرواة في مختلف المناطق.

المثل الشعبي وذاكرة خراب المدينة

ارتبطت الحكاية بمثل أمازيغي متداول هو:

تاوتمت أيخلان تامدولت

ويُستحضر هذا المثل في سياق تفسير خراب المدينة، وربط الحكاية بدور المرأة في الأحداث التي سبقت خرابها.

غير أن الأمثال الشعبية لا تُقرأ دائمًا بوصفها تقارير تاريخية حرفية؛ فهي قد تعكس تصورات المجتمع وقيمه وصراعاته، وقد تحمل أيضًا أحكامًا اجتماعية تستوجب الفحص والنقد.

لذلك ينبغي التعامل مع هذا المثل باعتباره جزءًا من الذاكرة الشعبية المرتبطة بتامدولت، لا دليلًا مستقلًا على أن المرأة كانت السبب التاريخي الحقيقي في خراب المدينة.

تامدولت ن واقا بين التاريخ والرواية الشفهية

تظل تامدولت موضوعًا مهمًا للبحث التاريخي والأثري، ولا يمكن تفسير تاريخها اعتمادًا على الروايات الشعبية وحدها.

فمعرفة أسباب ازدهار المدينة وتراجعها وخرابها تستلزم دراسة المصادر التاريخية المكتوبة، والوثائق، والآثار الباقية في الموقع، ومقارنتها بما تحفظه الذاكرة المحلية.

وفي المقابل، تظل تانضامت والروايات المرتبطة بها مصدرًا مهمًا لدراسة الثقافة الأمازيغية، لأنها تحفظ أسماء الشخصيات والتعابير واللغة والصور الاجتماعية التي تناقلتها الأجيال.

إن جمع هذه الروايات من أقا وإيلالن وبقية مناطق الأطلس الصغير، وتسجيل اختلافاتها وأسماء رواتها، يمكن أن يسهم في الحفاظ على جزء من التراث الشفهي لسوس، وأن يفتح المجال لدراسات لغوية وتاريخية أكثر دقة.

خاتمة

إن رواية خراب تامدولت ن واقا ليست مجرد حكاية عن مدينة قديمة، بل هي جزء من الذاكرة الثقافية الأمازيغية في سوس والأطلس الصغير.

وتكمن قيمتها في ما تحفظه من شعر شفهي وأمثال وتصورات اجتماعية، وفي امتدادها بين مناطق مختلفة، من أقا إلى إيلالن.

ويبقى واجب الباحثين والمهتمين بهذا التراث هو جمع الروايات من مصادرها المحلية، وتوثيقها بلغتها الأصلية، والتمييز بين ما تقوله الذاكرة الشعبية وما تثبته الأدلة التاريخية والأثرية.

 


المقال التالي
لا توجد تعليقات
أضف تعليقاً
رابط التعليق
إعلان
Win Bonus Banner
إعلان
Win Bonus Banner
إعلان
Win Bonus Banner
إعلان
المزيد